عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
54
معارج التفكر ودقائق التدبر
جاء في قصّة موت سليمان عليه السّلام حكايات ليس لها أسانيد تجعلها ذات قيمة خبريّة ، فمن الخير عدم ذكر شيء منها . وممّا يمكن أن يعتمد عليه أنّه كان عليه السّلام له خلوات مع ربّه ، فإذا دخل مكانه الخاصّ الّذي يخلو به لم يجرؤ أحد من الجنّ والإنس أن يدخل عليه ، لما أعطاه اللّه من هيبة عظيمة في القلوب . وكان له كرسيّ في خلوته يجلس عليه ، ويتوكّأ فيه على عصاه ، واضعا رأسه عليها يذكر اللّه ويسبّح ويتلو من آيات اللّه فيما أنزل على الرّسل من قبله ، وكانت له قدرة على الجلوس الطّويل معروفة لدى الجميع ، وربّما كانوا يرونه من بعض النّوافذ إذا مرّوا من جهتها جالسا على كرسيّه ممسكا عصاه وواضعا رأسه على أعلاها ، وهم لا يملكون أن يراقبوه مراقبة دائمة ، وإنّما تكون نظراتهم لمحات في بعض الأوقات ، فيتصوّرون أنّه ترك مجلسه لحاجاته ثمّ عاد ، وشاء اللّه عزّ وجلّ أن يعمّي عن كلّ من حوله من الإنس والجنّ واقع حاله . وقبض ملك الموت روحه في أوائل خلوته عليه السّلام ، وهو جالس على كرسيّه ممسكا بعصاه ، وواضعا جبينه على أعلاها ، وشاء اللّه أن يحفظه وهو على هذا الوضع مدّة طويلة يدرك بها الجنّ أنّهم لا يعلمون الغيب القريب منهم ، ويدرك بها الإنس الّذين كانوا يعتقدون أنّ الجنّ يعلمون شيئا من الغيب ، أنّ الجنّ لا يعلمون شيئا مما هو غيب عن حواسهم ، فهم لم يعلموا موت سليمان وهو في خلوته داخل قصره ، وهم ينفّذون أوامره لهم بأعمال شاقّة فيها تعذيب لهم وإهانة ، كان قد أمرهم بها قبل أن يدخل خلوته . وأرسل اللّه الأرضة تأكل من عصاه لتضعف عن حمل ما تحمل من رأسه وجسده فتنكسر .